اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
130
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
منه رغما عن تخطئته للجاحظ ؛ وقال عنه ابن حوقل « كتاب نفيس له في معرفة الأمصار » 56 ، أما المقدسي فقد أبدى بعض التشدد وذلك بقوله « وأما الجاحظ وابن خرداذبه 57 فإن كتابيهما مختصران جدا لا يحصل منهما كبير فائدة » ، وعلى أية حال فإن تأثيره على الأجيال الأدبية التالية لا يرقى إليه الشك حتى أن ابن الفقيه مثلا اعتبر مقلدا له 58 ، ويتضح هذا من ألفاظ المقدسي أيضا « وإذا نظرت في كتاب ابن الفقيه فكأنما أنت ناظر في كتاب الجاحظ والزيج الأعظم » 59 . ومن وقت لآخر كانت تظهر مقتطفات - - من كتاب الجاحظ هذا في مجموعات أدبية بحتة ؛ وأحد كبار المعجبين بالجاحظ وهو الثعالبي ( توفى عام 429 ه - 1038 ) كان يعنى على ما يبدو هذا الكتاب عندما أشار إلى « خصائص البلدان » للجاحظ 60 . وقد تم الكشف في الآونة الأخيرة عن مصنف للجاحظ يقف دليلا على اهتمامه الواسع بالجغرافيا ويمثل على وجه العموم أهمية كبرى بالنسبة للتاريخ الحضارى للعالم الإسلامي ، كما يمكن اعتباره أول محاولة للعرب في الجغرافيا الاقتصادية أو على الأصح جغرافيا الاستيراد ( Import Geagraphy ) . أعنى بذلك الرسالة الصغيرة الحجم المعروفة باسم « التبصر بالتجارة » التي عثر عليها بتونس العلامة العربي المعروف حسن حسنى عبد الوهاب ونشرها في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق « * » 61 . وبالرغم من أنه لم يرد أىّ ذكر لهذه الرسالة في ثبت مصنفات الجاحظ 62 إلا أن صحة نسبتها إليه لا يتطرق إليها الشك ، سواء من ناحية الاستقراء الداخلي لمادتها أو لأن بعض العلماء نقل عنها كالثعالبى والنويري في موسوعته الكبرى التي وضعها في عهد المماليك 63 . وتنقسم الرسالة إلى بضعة أبواب تعالج السلع التجارية المختلفة وأسعارها ومزاياها والزائف منها ؛ وهنا يتناول البحث الكلام على الذهب والفضة والأحجار الكريمة ثم العطور والطيب والأنسجة والثياب . وأكثر الأبواب متعة هو « باب ما يجلب من البلدان من طرائف السلع والأمتعة والجواري والأحجار وغير ذلك » ، حيث يعدد لنا الجاحظ أسماء السلع المستوردة من مختلف الأقطار ابتداء من الهند والصين ، أحيانا في شكل تعداد جاف وأحيانا بتفاصيل تختلف طولا وقصرا . ويرد بالطبع ذكر للبلاد الشمالية كخوارزم وبلاد الخزر وبلاد البلغار ؛ أما البابان الأخيران فيغلب عليهما طابع الارتجال ويحس منهما أنهما أضيفا مؤخرا ؛ فالأول منهما أفرد لجوارح الطير مما يستعمل في الصيد والأخير لما يفضّل من صفات الأشياء سواء بين الحيوان أو الناس ، وهو لا يخلو من الحكمة والموعظة . ويغلب على الرسالة طابع الإفادة العملية ويندر أن تلجأ إلى الاستطرادات الأدبية . وقد تستعصى في مواضع منها على الفهم نتيجة لمصطلحات غريبة أو غير مدروسة ولكن بعد التغلب على هذا فإن الرسالة تعتبر مصدرا من المصادر الأساسية للتاريخ والجغرافيا الاقتصادية للعالم الإسلامي . وقد كان المؤلفون المتأخرون على إلمام جيد بها ويتضح من المقارنات التي أجراها حسن حسنى عبد الوهاب أن ابن الفقيه مدين أيضا بقدر غير قليل لرسالة الجاحظ هذه . - -
--> ( * ) طبعت بالتالي على حدة في القاهرة . ( المترجم )